الدكتور محمد الحمداني يكتب بمناسبة أربعينية المرحوم الدكتور بهاء الراوي

في أربعينية أستاذنا الفاضل المرحوم الدكتور بهاء الراوي
إنا لله وإنا إليه راجعون…..
يمثل الدكتور بهاء الراوي أحد أبرز الكوادر العلمية التي ساهمت في مسيرة التعليم العالي و البحث العلمي في القطاع الزراعي التي كانت تعمل مع كوادرها المساعدة بأخوية .. ورفقة …مبنية على التقدير والإحترام ومشاطرة الرأي …
كنت معيدا في كلية الزراعة بمادة الوراثة..عندما جاء للكلية شاب رشيق… لايتجاوز عمرة الثلاثين عاما لمن يراه أول مرة….. كان نشطا.. مرحا…. عملت معه كمعيد … في درس الوراثة لطلبة الصف الثالث كلية الزراعة … وكان حريصا على تطوير المادة العملية لهذا الدرس… فعملنا سوية على تطوير العمل…………..
كان ثوريا في تعامله… أتذكر بأنه عندما أنهى دراسته في الولايات المتحدة الأمريكية .. عاد للعراق ومعه سيارة أمريكية… حجزت في كمارك أبو غريب… وفي أحد الأيام ذهب للكمرك حيث تحتجز سيارته ومعه كما نطلق عليه دبة بنزين… يريد حرق السيارة .. لأنه شعر بأن السيارة ستصادر منه وفقا لمادة تمنع إدخال سيارات أمريكية بذلك الوقت … حاججهم بأن هناك سيارات امريكية في شوارع بغداد…. وطلب عائدية تلك السيارات!!!!!…لذلك أصر على إنه سيحرق سيارته ليريحهم منها… لأنها في قائمة المنع….. فقررو إعفائها وتحميله الضريبة!!!!
طلب مني يوما أن أريه جميع الأماكن التي أرتادها بعد الدوام… وكان أبرزها أين اتناول الغداء…. أصطحبته إلى أفخر مطعم في الباب الشرقي (باب الشرجي بلغة اهل بغداد) وهو مطعم تاجران عندما كان في الجهة المقابلة لمحل كيت كات المشهور … دخلنا المطعم..وخرجنا بعد أقل من عشرة دقائق بعد أن شاهد منظرين آلفتهما عيوننا وأستنكرته عيونه …. أعترض على طريقة تقديم الماء… حيث جاء العامل وهو يحمل عشرة أكواب في أصابع كفيه.. وبواقع إصبع مغروز في كاس ماء…. فقد كان كل إصبع مغمور في الماء …. فثار… على هذا المنظر….
ثم حدثت الثورة التالية التي غادرنا المطعم على أثرها… عندما جاء عامل يوزع الصمون والطرشي…
صرخ الدكتور بهاء صرخة بالعامل سمعها حتى الناس الذين كانو يسيرون في الشارع… ماذا تفعل.. فهدأت من عصبيته … وتسائل صاحب المطعم .. عن سر هذا الإعتراض… لقد استغرب الجميع من إعتراض الدكتور بهاء على طريقة حمل وتقديم الماء لأنها كانت من المناضر المؤلوفة … ومنتشرة في اغلب مطاعم العراق..
…. غادرنا المطعم… وقال لي .. الناس في الخارج ليسو أحسن منا … فإلى متى نبقى هكذا… ما فائدة التعليم .. إن لم توضفه في حياتك اليومية… لماذا هذه الإزدواجية… توجع رؤوس الطلبة بخطورة التلوث ومسببات التلوث وخطورة البكتريا واهمية النظافة والنظافة من الإيمان..ما ما أهمية هذا اللغو العلمي وأنت لاتطبقه ولا أحدا يعترض على عدم تطبيقه… وكانت إدانته شاملة شملتني أنا … وكان رحمه الله محقا.. فلو إن كل شخص قام بدوره … في تعديل خطأ تعودنا عليه… لما تراكمت الأخطاء بحيث أصبح تغيير مسارها صعبا…. قال لي… لقد وجدت خلال السنوات التي أمضيتها في الخارج المقياس… لقد استخدمت المقياس فوجدت بأن ما نتداوله بهذا الشأن شيء لايطاق… وأنا بوصفي قد تلمست وعملت وفق المقياس… فأنا لا أسمح لأحد مهما كان أن يتجاوز على هذا المقياس….
عرفته حين عمل في مجلس البحث العلمي في الفضيلية… وبعدها في مركز إباء للأبحاث الزراعية وفي الندوات والمؤتمرات العلمية… كان رقما صعبا لكثير من العلميين… أحبه الكثير وتحفظ عليه الكثير … والتحفظ هنا عادة ما يرتبط بثورية أو تطرف علمي لأحد الباحثين ………وعندنا الكثير من اللذين لايحبون أحدا… لأنه يجادل كثيرا أو يعترض كثيرا… وكان الدكتور بهاء… كثير التعقيب في الندوات أو المؤتمرات… وكنت معجبا…به… ولا أجد غضاضة في ذلك فكل مآسينا جاءت بسبب المجاملات الغير مبررة……
كنت أزوره مرارا وكنا عندما نجلس سوية في الثمانينات أو التسعينيات كنا نتذكر السبعينيات.. تلك الفترة التي أطلق عليها يوما أستاذنا الفاضل حيدر الحيدري… سماها الفترة الذهبية للبحوث الزراعية….
لقد كرس د. بهاء أخر عشرة سنوات من عمله في مركز إباء .. على التثقيف الأرشادي للمزارعيين العراقيين حول تداول أصناف شعير ذات قدرة عالية على إعطاء حاصل أخضر مرة أو مرتين بدون أن تتأثر كثيرا الطاقة الإنتاجية من البذور … ولقد أدخل الصنفين إباء 94 وإباء 99 من الحنطة …كما كان له دورا كبيرا في حملة التوعية الإرشادية عن القمح الشيلمي(التريتيكيل)…. ومحاولة تعميم زراعة حنطة المعكرونة في مناطق أخرى من العراق غير المنطقة الشمالية..
رحم الله عزيزنا الدكتور بهاء الراوي… ودعائنا لرب العزة تعالى أن يسكنه فسيح جنانه… فقد عمل عملا صالحا في حياته .. وخلف ولدا بارا… سيوفران لروحه الطاهرة دعاء لاينقطع …
وأختم قولي بالدعاء لأستاذي المرحوم بهاء….. أللهم أرحم غربته…. وآنس وحشته في قبره…… وأغفر ذنوبه…. وحسن حسناته….. إنك أرحم الراحمين………………………
الدكتور محمد عبد الخالق الحمداني