ظواهر العقد (التوالد) البكري

د.حسام حسن علي غالب / خبير زراعة نخيل
يتردد في عديد من الدراسات والبحوث والمصادر المختلفة إلى وجود ظواهر العقد (التوالد) البكري
(Parthenocarpy) والميتازينيا (Metaxenia) والتوافق الجنسي (Compatibility) في نخيل التمر. ومن أجل القاء المزيد من الضوء على هذه الظواهر وتأثيرها على الصفات الثمرية لنخيل التمر، لا بد من تفسير هذه الظواهر ومدى تأثيرها على الصفات الثمرية.
شكل 1
أولاً: العقد (التوالد) البكري :
المقصود بالعقد (التوالد) البكري هو تكوين ثمار عديمة البذور دون حدوث عمليتي التلقيح (التنبيت) والإخصاب وهذه الحالة قد تحصل طبيعياً أو باستخدام بعض منظمات النمو. والثمار البكرية تكون عادةً أصغر حجماً وأكثر تأخراً في النضج مقارنة بالثمار الطبيعية (شكل 1) وكما هو معروف إن الزهرة المؤنثة في نخيل التمر تتكون قبل التلقيح (التنبيت) على ثلاث كرابل (Carpels) متشابهة بالشكل والحجم جميعها قادرة على أن تتلقح ولكن عند التلقيح واحدة منها تتلقح وتضمحل الاثنتان الأخريتان تدريجياً وقد يعود السبب إلى عوامل وراثية. والظاهر إن لنوع اللقاح (النبات) له تأثيراً أيضاً على نمو الكرابل ففي بعض الأصناف يتوقف نمو الكربلتين الأخريين وتضمحل بعد أسبوع من التلقيح وفي أصناف أخرى يستمر نمو هاتين الكربلتين حتى الأسبوع التاسع بعد التلقيح ثم تضمحل بعده.
وفي بعض الحالات قد تنمو كربلتان أو ثلاث كرابل مع بعض مكونةً ثماراً غير منتظمة الشكل قد تحوي على بذرة صغيرة مشوهة الشكل أو لا تحوي على بذرة. وهنا تجدر الإشارة إلى التمييز بين هذه الحالات وحالة الثمار البكرية.
ففي الحالة الأولى تتكون ثمار غير مكتملة النمو نتيجة نمو أكثر من كربلة بعد تلقيح أزهارها مكونةً ثماراً صغيرة غير منتظمةالشكل تحوي نواةً صغيرة (الشكل 2). وفي الحالة الثانية نمو أكثر من كربلة (دون حدوث تلقيح) مكونةً ثماراً صغيرة غيرمكتملة النمو وغير منتظمة الشكل عديمة البذور يُطلق عليها محلياً بالشيص (الشكل 3).
أما في حالة العقد (التوالد) البكري تتكون ثمار عديمة النواة دون حدوث عمليتي التلقيح (التنبيت) والإخصاب (الشكل1) .

شكل2

يرجع حدوث التوالد البكري في نخلة التمر إلى مرحلة التغذية الذاتية في مبايض الزهرة الأنثوية واحتواء الكرابل على مواد هرمونية قد تكون أوكسينات أو حامض الجبريلين تساعدها على تحفيز نمو كربلة أو أكثر ويبدو أن كمية المواد الهرمونية تتأثر بوجود اللقاح أو عدمه. فوجود اللقاح له تأثير ميتازيني (Metaxenia) وتأثير زيني (Xenia) أي التأثير المباشر وغير المباشر على تكوين الثمار والبذور وعدم وجود اللقاح يؤدي إلى بطء في نمو الجنين وبالتالي إلى تأخر في نضج الثمار.
وقد ثبت بشكل قاطع اعتماد عملية النضوج على وجود وتكون البذور والتي قد تشجع على تكوين هرمونات معينة لها دور أساسي في عملية النضج وهناك بعض الأدلة التي تشير بأن الجبريلين يتواجد طبيعياً في بذور بعض الفواكة وإن حدوث عملية الإخصاب وبالتالي تكوّن البذور

شكل 3
يؤدي إلى تشجيع بعض الهرمونات كالأوكسينات التي تؤثر على نضج الثمار. وقد وجد من خلال دراسة تأثير حامض الجبريلين بأن تأثيره يختلف باختلاف الأصناف ففي بعض الأصناف مثل الخضراوي والحلاوي والبرحي التي يكون فيها نمو الكربل الثلاث في الأزهار غير الملقحة شيئاً طبيعياً، فإنه عند إضافة الجبريلين إلى أزهار هذه الأصناف قد أدى إلى تكوين نسبة عالية من الثمار عديمة البذور. وبالرغم من أن الجيرميلين يسبب في استطالة الكرابل إلا أن تأثيره ينحصر من الإسراع في نضوج الثمار وخصوصاً في المراحل الأولى من تكوينها.ثانياً: الميتازينيا:
يُقصد بالميتازينيا (Metaxenia) تأثير نوع اللقاح (النبات) المباشر على الثمرة (اللحم والنواة) من حيث الحجم والشكل واللون والوزن وميعاد النضج.
منذ سنوات عديدة مضت لوحظ في بعض مزارع النخيل وجود اختلافات في شكل وحجم الثمار بالصنف الواحد نتيجة استخدام لقاح (نبات) من أصناف مختلفة من الأفحل. وأول من أوضح هذه هذه الحالة الباحث شيونيفرت (Sehweinfurth) عام 1901 ومن بعده عدد من الباحثين لحين قام الباحث سوينجل (Swingle) بسلسلة من التجارب خلال الفترة من (1922 – 1926) باستخدام بعض الأفحل على أصناف معينة من نخيل الإناث ووجد أن نوع اللقاح يؤثر على حجم الثمرة وميعاد نضوجها وأطلق على هذه الظاهرة بالميتازينيا (Metaxenia) وأوضح أن حدوثها نتيجة تأثير اللقاح المباشر على أنسجة الثمار أو ما يسمى بالأنسجة الأمية (Maternal Tissues) خارج (جنين واندوسبيرم) البذرة. غير أن الباحث شافنر (Schaffner) عام (1928) استخدم مصطلح زينيا (Xenia) لتفسير تأثير اللقاح المباشر على الأنسجة الأمية داخل (جنين واندوسبيرم) البذرة. ومنذ ذلك الوقت فقد أجريت العديد من الدراسات والبحوث في مناطق زراعة النخيل المختلفة أكدت جميعها على وجود ظاهرتي (الميتازينيا والزينيا) قد يرجع سببهما إلى عوامل وراثية وإلى افرازات حبوب اللقاح وهرمونات معينة تتفاعل مع مبايض الأزهار.
ولأهمية هاتين الظاهرتين يُفضّل بعض المزارعين استعمال لقاح من أصناف معينة من الأفحل دون غيرها للحصول على ثمار وأنوية أكبر حجماً ولو أن حجم الثمار قد يتأثر بعوامل أخرى فإنه يختلف بيناً في النخلة الواحدة بل في العذق الواحد وحتى في الشمراخ الواحد بالإضافة إلى أن حجم الثمار يتأثر بالخف أكثر من تأثيره بنوع اللقاح أما النواة فيتأثر حجمها بنوع اللقاح أكثر من تأثيرها بالخف من ناحية أخرى فقد بينت النتائج بأن الاختلاف في فترات نضوج الثمار يتأثر ليس فقط بنوع اللقاح المستعمل بل وبطريقة خف الثمار وان الزيادة في حجم الثمار نتيجة لزيادة فترة عملية الخف تزيد من حساسية الثمار واصابتها بظاهرتي التشطيب أو اسوداد الذنب والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل الزيادة في حجم الثمرة تأتي نتيجةً لنوع اللقاح المستعمل أو نتيجةً لخف الثمار؟ وقد اتضح من خلال الدراسات الأولية بأن خف الثمار يؤدي إلى زيادة في حجم الثمار عن طريق الزيادة في استطالة وتوسيع الخلية الواحدة إلا أنه قد لوحظ أن لنوع اللقاح المستعمل تأثيراً مباشراً نظراً لأنه يحفز نمو أكثر من خلية أي أنه يزيد من عدد الخلايا ومن ثم يؤدي إلى زيادة في حجم الثمرة ومن هذه الدراسة يمكن الاستنتاج بأن حساسية الثمار إلى ظاهرة التشطيب واسوداد الذنب تأتي نتيجة خف الثمار وذلك لأن هذه العملية تعمل على التوسع السريع في استطالة الخلية الواحدة في حجم لحم الثمرة مما يؤدي إلى انهيار الأنسجة الخارجية بسبب الضغط الذي يُفرض عليها من الداخل وبالأخص في فترات ارتفاع الرطوبة.
بالإضافة إلى ما تقدم، فإن أهمية الميتازينيا تنحصر عملياً في تبكير أو تأخير نضوج الثمار وتُقدّم للمزارعين حلاً لبعض مشاكلهم حيث يمكن تنظيم مواعيد نضوج الثمار والحصول على ثمار ذات الحجم المطلوب والجودة في ظروف أكثر ملائمة لنضوجها. فقد وجد بأن نوع اللقاح (النبات) يمكن أن يقدم نضوج ثمار الأصناف المبكرة التي تنضج في شهري (أغسطس وسبتمبر) بمقدار (10 – 15) يوماً ومن (6 – 8) أسابيع بالنسبة للأصناف المتأخرة التي تنضج ثمارها في ديسمبر. عموماً يظهر التأثير الميتازيني في مواعيد نضوج الثمار جلياً في المناطق التي ترتفع فيها الرطوبة النسبية والأمطار أثناء نضوج الثمار. علاوةً على ذلك أيضاً تؤثر في تبكير أو تأخير نضوج الثمار في غير هذه المواعيد باستعمال نوع اللقاح المناسب.

ثالثاً: التوافق الجنسي:
يُقصد بالتوافق الجنسي (Compatibility) هو توافق أو ملائمة نوع لقاح الفحل من صنف معين بإخصاب أزهار صنف معين من الإناث. الاعتقاد السائد في بعض مناطق زراعة النخيل بأن هناك أصناف من الأفحل أفضل من غيرها في تلقيح أزهار الأصناف الأنثوية وقد يرجع سبب رداءة لقاح بعض الأصناف من الأفحل إلى عاملين هما: أولاً: عدم قدرة اللقاح (النبات) على الإنبات بسبب نقص في تكوين حبة اللقاح أو حصول ضمور فيها.

رابعا: عدم التوافق بين لقاح الفحل المعين مع صنف النخلة المراد تلقيحها
بصورة عامة، لا يقتصر الحصول على لقاح(نبات) من صنف معين على نوع نخيل التمر وانما يمكن استعمال لقاح من أنواع أخرى من جنس فيونيكس (Phoenix) مثل نخيل السكر (P.sylvestris Roxb.) ونخيل الكناري (P.canariensis Hort.) ونخيل الصخر (P.reclinata Becc.) لتلقيح اناث نخيل التمر أو بالعكس. فقد وجد أنها تعطي نتائج جيدة خصوصاً بين نخيل التمر ونخيل السكر.
كما تشير التقارير عن المشاهدات الميدانية لمزارع النخيل لجوء بعض المزارعين إلى تلقيح أزهار بعض الأصناف وبالأخص المبكرة بخليط من لقاح أفحل مختلفة لضمان الحصول على نتائج أفضل.
من المشاكل التي يعاني منها المزارعون خصوصاً في دولة الامارات العربية المتحدة هو عدم ايجاد اللقاحات المناسبة والملائمة لتلقيح أصناف نخيل الاناث بسبب مجهولية غالبية أصناف الأفحل مما دفع كثيراً من المزارعين في دولة الامارات إلى زيادة عدد الشماريخ الذكرية عند تلقيح بعض الأصناف كصنف خلاص (26 – 30 شمراخاً) لضمان الحصول على انتاجية عالية.
هذا العدد من الشماريخ يعتبر عالياً بالمقاييس الاعتيادية للتلقيح وهدراً بكميات حبوب اللقاح وبالأخص في المواسم التي يشح فيها حبوب اللقاح، حيث أن حبة لقاح واحدة تكفي لإخصاب الزهرة الأنثوية وصعوبة اخصاب أزهار صنف خلاص وغيرها من الأصناف يعود إلى حيوية حبوب اللقاح وإلى عدم ملائمة أو توافق نوع اللقاح لإخصاب هذه الأصناف. وأيضاً إلى كبر حجم حبوب لقاح بعض أصناف الأفحل بحيث لا تتمكن من دخول مياسم أزهار بعض أصناف الاناث لإتمام عملية الاخصاب.
مما تقدم، يتطلب اجراء المزيد من الدراسات والتجارب والبحوث في دولة الامارات لتحديد أصناف الأفحل الجيدة وانتخاب اللقاحات المناسبة والملائمة ليس فقط بالنسبة إلى تأثيرها على شكل وحجم ونوعية ونضوج ثمار أصناف نخيل التمر وانما أيضاً ملائمتها وتوافقها في تلقيح أصناف الاناث وتحديد حجم وحيوية حبوب اللقاح.

من مجلة المرشد / الادارة العامة لزراعة ابو ظبي / العدد27 في فبراير 2005